قُرآن
" ..رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، وَيــــَسِّرْ لِي أَمْرِي ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ، يَفْقَهُوا قَوْلِي.."
على باب المكتب يرددها بشفاه مرتجفة ، و قلب أكثر ارتجافاً .. فهو يعلم أن مَن سيقابلونه بالداخل قد يضعونه على أول طريق نجاحه المهني ، أو ..
يُغمض عينيه بقوة مانعاً عقله من تكوين صورة لما بعد (لو ..) تلك .
"بسم الله" ..يقولها بعد أن يسمع اسمه مُقترنا بــ(تفضل ) من خلف الباب .
.......
" بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ ، الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ.."
يواصلُ لسانها قراءةَ آيات الفاتحةِ المنسوجة مع ملامحها ، تلح عليها الرغبة فتنظر نظرة صغيرةً جداً نحوه .
لم يبدُ متألقا أبداً مثلما بدا اليوم .. بل إنه يبدو أكثرَ وسامةً و تناسقاً وربما أطولَ قامة !
حتى والدُها ..بدأت ملامح وجهُه تلين ، إصر تلاوته لكلمات الله ..
"آمين "
تقولها كأنها تتنفس آخر نفَس لها في الدنيا ..تطفر عيناها بدموع الفرح وهي تراه يصافحُ أباها ..لا تلبث الزغاريد أن تتناثر .
.......
" مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ "
يتهدج بها صوته ، وكأنه لم يفرح طوال أعوامه الستين مثلما يشعر هذه اللحظة .
بيده الحانية العجوز يسندُ رأس حفيده الأول إلى صدره ليلثم جبهته ، بيده الأخرى يداعب الفم الصغير ..في حين تتابع العينان البريئتان كهرمان المسبحة.
.......
"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ "
- تمهلي يا صغيرتي ، فهذا كلام الله .
تسمعها من المُعلمة فتكف عن الاهتزاز أماماً وخلفا .. وتحمرّ أذناها أسفل حجابها وهي التي لم تعتد ارتداءه إلا قريبا .. وفي حصص الدين خصوصاً .
- فلتبدأي من جديد ، على مهلٍ .
.......
"فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ "
"الله أكبر "
- الله أكبر .. الله أكبر .
يهمهم بها الصغيرُ محاكياً أباه في ركوعه وسجوده ، يخرجان من المسجد ، يداعبُ جارُه الطفلَ ، قائلا : كم عمرك يا صغيري ؟ رفع كفّه المنمنمة أمام وجهه ، مباعداً بين بعض أصابعه ، وبحروفٍ تحبو أضافَ موضحاً : هكذا!
ضحك الرجلان ، مد الذي سأل يده لجيب الصغير بجنيه ، رفض الأب مُغاضباً في البداية ، ثم أنهى حيرة ابنه بــ:" خذ من عمِّك"
يمرون وهم يتداعبون بطفلٍ في خدمة المسجد، يرهقه حمل صندوقٍ ثقيل على خوائه "اكفل اليتيم "
عندما لمح الجنيه ظنَّ أنه سيستقر في صندوقه ، لكنهم سرعان ما عبروا ، كما عبر غيرهم ، حتى تأكدَّ له ، أنه وإخوته ، سقطوا من دائرة إحسان المُصلين ، فلا خوفٌ عليهم ، ولا هُم يفرحون .
.......
" يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ "
أسمعها، أشعر أن قلبي غادر موضعه ،أصعدُ إلى بيتنا في لا وقت ، أرى في احمرار عيني أمي وإخوتي شبحاً قبيحاً اسمه اليُتم .
يختلط الاحمر بالأسود في عيني ..تمتزج بجوفي المرارة بطعم الملح وطعم الصدأ .. دمعي ودمي .
.......
"قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ"
تتدلى أمام المرآة الوسطية ، كلما شعر بالقلق من نظرة أحد زملائه السائقين ، اتجهت عيناه إلى الآية تضرعاً ..
فلكم عانى كي يركب مثل هذه السيارة الجديدة ، ولكم سيصبر حتى يسدد آخر أقساطها .
.......
صدق الله العظيم .
يُغلقُ مصحفه ، يقفُ لأداء ركعتين لله ، يُلحُ على ربه في السجود ..أن وفقني بعد سويعات في الامتحان ، و..وفقني يوم العرض عليك ، و..( بحياء)واجمع بيننا "قريبا" في حُبك ورضاك .
حسن أمين
٢٣ مايو ٢٠٠٧
٢٤:١ صباحاً